عقدة التجسيم

السؤال
لماذا تخالفون جمهور العلماء في التجسيم؟ لماذا تخالفون البخاري؟ لماذا تخالفون الصحابة؟ قال النووي في شرح مسلم (مجلد 3 جزء 5 ص 24): قال القاضي عياض: “لا خلاف بين المسلمين قاطبة فقيههم ومحدثهم أن الظواهر الواردة بذكر الله تعالى في السماء ليست على ظاهرها، بل متأولة عند جميعهم”. (وقال في شرح مسلم مجلد 5 جزء 9ص117) قال القاضي عياض قال المارزي: معنى يدنو: أي تدنو رحمته وكرامته لا دنو مسافة وممارسة. (من معجزات القرآن أنه يسد الطريق على الانحرافات العقدية والفكرية لمن يتأمل فيه، وفيه آية تكفي وحدها لكشف زيف عقيدة الوهابيين في حمل الصفات على ظاهرها الحسي، وهي قوله تعالى: “كل شيء هالك إلا وجهه” فماذا يقول فيها الوهابيون، وأسلافهم المجسمة؟
هل يقولون كما قال أكثر المسلمين إن كلمة (وجهه) هنا مجازية بمعنى ذاته، أو بمعنى رسله وأوصيائهم؟ أم يصرون على أن معنى الوجه هو الوجه الحقيقي المادي، ويلتزمون بأن كل الله تعالى يفنى ويهلك إلا وجهه؟! سبحانه وتعالى عما يصفون.
هنا تقف سفينة الوهابيين وكل المجسمين، وتتعطل محركاتها بالكامل، وتعصف بهم العواصف، ويغرقون إلى الأذقان، ولكنهم مع ذلك يصرون على منطقهم مهما كانت النتيجة !
لقد قالوا -ونعوذ بالله مما قالوا-: إن الله تعالى يفنى إلا وجهه، ولا بد أنهم يحلون المشكلة بقولهم: يفنى فناء يليق بجلاله، ويهلك هلاكاً يليق بجلاله!! أفيدونا جزاكم الله خيراً.

الجواب
الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده. أما بعد:
فإن الله سبحانه وتعالى أنزل القرآن بلسان عربي مبين، وأمر عباده بتدبره، وتعقله، كما قال تعالى: “كتاب أنزلناه إليك مبارك ليدبروا آياته وليتذكر أولو الألباب” [ص:29]. وقال: “إنا أنزلناه قرآنا عربياً لعلكم تعقلون” [يوسف:2]. ومحال أن يدع الله تعالى أعظم أبواب الدين، وأشرف أنواع العلوم، وهو العلم بأسمائه، وصفاته، وأفعاله، محلاً للاحتمالات، ونهباً للتخرصات، ومحال أن يهمل نبيه صلى الله عليه وسلم تعليم أمته أعظم ما بعثه الله به من التعريف بالله، وبيان ما نزل إليه من ربه. فهل تجد أيها الأخ الكريم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم حديثاً واحداً يصرف فيه معاني نصوص الصفات عن ظاهرها إلى شيء من المعاني المجازية المدعاة؟
إن المعضلة التي تواجه بعض الناس تكمن في عدم فهمهم لطريقة السلف، وحسابها طريقة جديدة أحدثها شيخ الإسلام ابن تيمية، أو الوهابية، كما جاء في سؤالك! والأمر قطعاً ليس كذلك، وأرجو أن تصغي لما أقول بتجرد وإخلاص:
1- لفظ يعبر عنه.
2- معنى يدل عليه ذلك اللفظ.
3- كيفية هي عليه في الواقع، فأما الأول، فمحل إجماع بين المسلمين، فالقرآن محفوظ، منقول بالتواتر، لا زيادة فيه ولا نقصان، إلا ما تدعيه بعض فرق الشيعة من تحريف القرآن ونقصه، وذلك من موجبات الكفر، ومخالفة المعلوم من الدين بالضرورة.
فقال بعضهم: المعاني التي دلت عليها ألفاظ الصفات، هي المعهودة في الأذهان، المدركة بالحواس، فله سمع كسمعنا، وبصر كبصرنا، ووجه كوجهنا، واستواء كاستوائنا، إلخ. وهؤلاء هم المشبهة، أهل التمثيل. وطريقتهم باطلة بالعقل والنقل، كما لا يخفى.
وقال بعضهم: ليس لهذه الألفاظ معانٍ مدركة، ولا سبيل للعلم بالمعنى مطلقاً، ولا يجوز أن نستحدث معنى مجازياً من تلقاء أنفسنا، بلا أثارة من علم، فنكتفي بقراءة القرآن تعبداً بتلاوة الألفاظ، دون إثبات معنى! 
وهؤلاء هم أهل التفويض، الذين يظن بعض الناس أن طريقتهم هي طريقة السلف المتقدمين؛ من الصحابة والتابعين.
وقال بعضهم: لا يمكن أن يتصف الله بالصفات الثبوتية، لأن إثبات الصفات يستلزم التشبيه. فينكرون وجود معنى بالكلية، ويفسرون ما أثبت لنفسه من الصفات بنفي أضدادها فقط؛ فيقولون: المراد بصفة العلم: نفي الجهل، وصفة القدرة: نفي العجز، ولا يثبتون الرب إلا وجوداً مطلقاً بشرط الإطلاق، دون إضافة صفة إليه. 
وهؤلاء هم الجهمية، والمعتزلة.وقال بعضهم: لابد من إثبات معانٍ للألفاظ، ولا يمكن أن يُترك الناس يقرؤون ما لا معنى له، ولكن المعنى المتبادر إلى الذهن يوهم التشبيه، فعلينا أن نعمل عقولنا في استخراج معانٍ مجازية، خلاف المعاني الحقيقية، لنحمل عليها كلام الله، وإن كنا لا نقطع يقيناً بأن ذلك هو مراد الله، فنقول: المراد بالوجه: الثواب، والمراد بالمجيء: مجيء أمره، والمراد باليد: النعمة، أو القدرة. وهؤلاء هم أهل التأويل، الذين سلك السائل طريقتهم، ومنهم فرق الصفاتية؛ كالكلابية، والأشاعرة، والماتريدية.أما طريقة السلف، أهل القرون المفضلة، فإنها إثبات المعنى اللائق بالله الذي دل عليه اللفظ. وبيان ذلك أن المعنى قضية ذهنية مشتركة، فإذا أضيفت تخصصت. فـ (السمع) مثلاً يعني: إدراك الأصوات، وهذا معنى مشترك، تتفاوت فيه المخلوقات، فما بين الخالق والمخلوق من باب أولى، ولهذا قالت عائشة، رضي الله عنها: “الحمد لله الذي وسع سمعه الأصوات، لقد جاءت خولة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم تشكو زوجها، فكان يخفى علي كلامها، فأنزل الله عز وجل: “قد سمع الله قول التي تجادلك في زوجها وتشتكي إلى الله والله يسمع تحاوركما” رواه البخاري، والنسائي، وابن ماجه.. فثم معنى مشترك في الأذهان لكل لفظ، فإذا أضيف ذلك اللفظ إلى مخلوق صار المعنى لائقا به، وإذا أضيف إلى الخالق الذي ليس كمثله شيء صار لائقاً به. وهذا هو (المثل الأعلى) الذي أراده الله بقوله: “ولله المثل الأعلى وهو العزيز الحكيم” [النحل:60]. وقوله: “وله المثل الأعلى في السموات والأرض وهو العزيز الحكيم” [الروم:27].
أما (الكيفية) فإن السلف يفوضون علمها إلى الله، فالله في نفوسهم أعظم وأجل أن تدرك كنهه العقول، أو تحيط به الأوهام، سبحانه وبحمده.
ومن نقلت عنهم من العلماء المتأخرين، كالقاضي عياض، والمارزي، والنووي رحمهم الله، قد تأثروا بطريقة المتكلمين من الأشاعرة، وأمثالهم، ممن جمعوا حقاً وباطلاً في هذا الباب، ولم يميزوا طريقة السلف المتقدمين، وظنوا أنها تفويض المعنى والكيفية، والصحيح أن طريقة السلف من الصحابة، والتابعين، وتابعيهم، إثبات اللفظ والمعنى، وتفويض الكيفية. ولا أدل على ذلك من جواب الإمام مالك بن أنس، رحمه الله، لمن سأله عن كيفية الاستواء، فأجاب بأربع جمل:
1- (الاستواء معلوم) أي معلوم معناه في لغة العرب، فإن الذي قال: “الرحمن على العرش استوى” [طه:5]. هو الذي قال عن الفلك والأنعام: “لتستووا على ظهوره” [الزخرف:13]، أي لتعلوا عليها، فكيف يكون معناها معلوماً في آية الزخرف، وتجري على حقيقتها، ولا يكون معلوماً في آية طه، أو يؤول إلى الاستيلاء! سبحان الله.
2- (والكيف مجهول): فلا سبيل لأحد أن يدرك كيفيات الصفات.
3- (والإيمان به واجب): لأن الله أخبر عنه في سبعة مواضع في كتابه بلفظ مطرد.
4- (والسؤال عنه بدعة): لأن الصحابة، رضوان الله عليهم، ما كانوا يسألون النبي صلى الله عليه وسلم عن الكيفيات، وحاشاهم.
أما طبقة الإمام البخاري، ومن قبله، ومن بعده، من أهل القرون المفضلة، فلا يمكن أن تجد لهم كلاماً في التأويل، لأنهم سلكوا مسلك الإثبات والتحقيق والتنزيه. فطريقة السلف، إثبات بلا تمثيل، وتنزيه بلا تعطيل.
وأما ما عولت عليه من استدلال ظننته ملزماً لأهل السنة، في قوله تعالى: “كل شيء هالك إلا وجهه” فقد أبعدت النجعة، وأتيت من قبل سوء فهمك لطريقة السلف، فلا يدور بخلد عاقل، فضلاً عن عالم، المعنى البشع الشنيع الذي فهت به، غفر الله لك، ولم يقل به أحد من السلف، وليس لك أن تقوِّلهم ما لم يقولوه، وإنما معنى الآية عندهم: أن كل شيء يهلك إلا الرب العظيم، الموصوف بأن له وجه كريم، كما قال في الآية الأخرى: “ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام” [الرحمن:27]. ألا ترى أنه قال (ذو) ولم يقل (ذي) لتكون وصفاً للوجه لا للذات، مما يدل على تحقيق هذه الصفة، وأن الوجه ليس مرادفاً للذات، بل صفة لها. وأما تأويلك بالرسل والأوصياء، فأبصر من أين تسلل إليك!
وبالجملة، فالواجب علينا أن نصف الله تعالى بما وصف به نفسه، وبما وصفه به نبيه صلى الله عليه وسلم فيما صح عنه، لا نتجاوز القرآن والحديث، لأنه سبحانه أعلم بنفسه، وأصدق قيلاً، وأحسن حديثاً. ونبيه صلى الله عليه وسلم أعلم الناس بربه، وأصدقهم، وأفصحهم، وأنصحهم. فلا يجوز لأحد كائناً من كان أن يفتات على الوحيين، مهما كانت نيته، فليس أغير من الله على نفسه، ولا من رسوله على ربه.
وأدعوك، يا رعاك الله، إلى التبصر، والتمهل، والرؤية، في هذه المسائل الدقيقة الخطيرة، وألا تسلك مسلك التجني والعدوان قبل التبين، والتثبت، عصمنا الله وإياك من الزلل، وأصلح لنا ولك الاعتقاد والعمل. والله الموفق. والهادي إلى سواء السبيل.

المجيب د. أحمد بن عبد الرحمن القاضي
أستاذ العقيدة بجامعة القصيم








About asha3ira2

بسم الله
This entry was posted in Uncategorized. Bookmark the permalink.

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s