الخلاف العقائدي بين الأشاعرة والماتريدية – عبد الرحمن دمشقية






الخلاف العقائدي بين الأشاعرة والماتريدية


أول خلافهما حول وجود الله

وأول مسألة اختلف الماتريدية والأشاعرة حولها هي: وجود الله، هل هو عين الذات أم زائد على الذات؟ حكاه المرتضى الزبيدي عن السبكي [إتحاف السادة المتقين 2/95]. بل صار خلافًا بين الأشاعرة أنفسهم فقد قال الرازي بأن وجود الله زائد على ذاته مخالفًا بذلك الأشعري نفسه.

فكيف يكون خلافهما فرعيًا وأول خلافهم حول وجود الله؟

مسائل الخلاف بين الأشعرية والماتريدية

[1] الماتريدي لا يفرق بين صفات الذات وبين صفات الفعل لله تعالى، فهي عنده كلها قديمة، قال: « والقول بحدوث شيء منها يؤدي إلى القول بتغير الله وهو يؤدي إلى عبادة غير الله » [التوحيد للماتريدي 53 و108 إتحاف السادة المتقين 2/158] بينما يفرق الأشعري بينهما. وقد اعترف ابن حجر المكي الهيتمي والشيخ ملا علي قاري بهذا الخلاف بين الفرقتين فقالا: « صفات الأفعال حادثة عند الأشاعرة قديمة عند الماتريدية » [فتح المبين شرح الأربعين 78 الفقه الأكبر بشرح القاري 14].

فالخلاف في صفات الله هل هي قديمة أم مسبوقة بالعدم ليس خلافًا في الفروع لا سيما وأن الماتريدية يرون مخالفهم في هذه المسألة عابدًا لغير الله.

وقد أشار ابن عذبة في الروضة إلى أن الماتريدية يخالفون بذلك رأي أبي حنيفة الذي نجده يوافق مذهب الأشاعرة في التفريق بين صفات الذات وصفات الفعل كما نقله عنه الطحاوي [الروضة البهية 39 لابن عذبة].

وترتب عليه اختلافهم في أسماء الله الحسنى، فقال صاحب فيض الباري: « والأسماء الحسنى عند الأشاعرة عبارة عن الإضافات، وأما عند الماتريدية فكلها مندرجة في صفة التكوين » [فيض الباري 4/517 للشيخ أنور شاه الكشميري].

– وترتب على هذا الاختلاف أيضاً خلاف في صفة الحكمة لله تعالى فهي أزلية بمعنى الإتقان والإحكام كما عند الماتريدي وليست كذلك عند الأشعري [اللمع للأشعري 38 نظم الفوائد 28].

وترتب على ذلك تسوية الأشعري بين الإرادة والرضى. فالله عند الأشعرية يحب الكفر ويرضاه كفرًا معاقبًا عليه. فإن من أراد شيئًا أو شاءه فقد رضيه وأحبه، واعتبر البزدوي ذلك من جملة مخالفات الأشعري لأهل السنة (يريد الماتريدية) الذين يرون المشيئة شيئًا غير المحبة والرضا. حكاه المرتضى الزبيدي. فالماتريدية يذهبون إلى أن الإرادة لا تستلزم الرضى والمحبة [إتحاف السادة 2/176 أصول الدين للبزدوي 245 الروضة البهية 17].

[2] ذهب الماتريدية إلى أن الواجب تحقق الحقيقة في نفسها بحيث تتنزه عن قابلية العدم. أما الأشاعرة فيرون أن الذات مقتضى الوجود [نظم الفرائد 3].

[3] الوجوب عند الماتريدية ليس أمرًا زائدًا على الذات. وعد الأشاعرة أن الوجوب أمر اعتباري لا وجود له في الخارج [نظم الفرائد 4 إتحاف السادة المتقين 2/94].

[4] الماتريدية لا يرون تكليف الله لعباده إلا فيما يقدرون عليه. أما الأشعري فقد أجاز على الله أن يكلف عباده ما لا يطيقونه، فلو أمر الله عبده بالجمع بين الضدين لم يكن سفهًا ولا مستحيلاً، حكاه عنه المرتضى الزبيدي وانتقده عليه. ونقل عن علماء الحنفية أنه خالف بذلك قول أبي حنيفة: « والله لا يكلف العباد ما لا يطيقون » وخالفه الاسفراييني والغزالي [إتحاف السادة المتقين 2/181-182 نظم الفرائد 25 التوحيد 221 اللمع 68 الإرشاد 236 الروضة البهية].

وقد نقل الزبيدي عن علماء الأشاعرة بأن التكليف بما لا يطاق جائز عقلاً ممنوع شرعًا [إتحاف السادة المتقين 2/183] وقد خالف الجويني شيخه الأشعري فمنع تكليف ما لا يطاق مع أنه كان يقول به [البرهان في أصول الفقه 1/89 (فقرة 28)].

[5] الماتريدية يرون أن الله يفعل لحكمة تقتضي الفعل، بينما يرى الأشاعرة أن أفعاله تعالى على الجواز لا على اللزوم. وألزمهم الماتريدية باعتقاد جواز العبث في أفعاله تعالى [نظم الفرائد 27]. بينما ألزمهم الأشاعرة بالقول بحاجة الله للأسباب.

[6] ذهب الماتريدية إلى امتناع أن يخلف الله وعيده ووعده، وذهب الأشاعرة إلى جواز إخلاف الله لوعيده [نظم الفرائد 29].

[7] ذهب الماتريدية إلى أن الله لا يفعل القبيح، وقالوا: لا يجوز ما يقوله الأشاعرة من جواز تعذيب المطيعين وتخليد الأنبياء في النار، وإدخال الكافرين الجنة. وعلل الأشاعرة القول بأن الله مالك مطلق يحق له التصرف في عباده كيف يشاء حتى قالوا بجواز عفو الله عن الكافر.

ونقل الزبيدي عن النسفي أن الأشاعرة يرون جواز تخليد الكفار في الجنة وتخليد المؤمنين في النار عقلاً وإن كان ورد الشرع بخلافه [إتحاف السادة المتقين 2/185 نظم الفرائد 30 وانظر الروضة البهية 32 – 33 إتحاف السادة المتقين 2/9].


ولقد صرّح الفخر الرازي بقول عجيب حين تناول تفسير قوله تعالى:  إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ  [الآية 118 من سورة المائدة] وافترض السؤال التالي: كيف جاز لعيسى أن يقول: (وإن تغفر لهم). والله لا يغفر الشرك؟ قال: « يجوز على مذهبنا من الله تعالى أن يُدخَلَ الكفارَ الجنة، وأن يُدخل الزّهاد والعبّاد النار ». قال: وقوله:  إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ  [الآية 48 من سورة النّساء] نقول: إن غفرانه جائز عندنا” [التفسير الكبير للرازي ص12/ 136].

وبعد هذا تتبجحون بأن الدليل العقلي مقدم على الدليل الشرعي، أهذا ما أنتجته عقولكم المريضة ؟

[8] وذهب الماتريدية إلى أن العقل يدرك حسن الأشياء وقبحها وأن معرفة الله بالعقل، حتى قال الصدر في التعديل: « كل ما هو واجب عقلاً فهو حسن عقلاً، وكل ما هو حرام عقلاً فهو قبيح عقلاً ومن هنا قالوا أن العقل آلة في معرفة الله وأنه كاف في إلقاء الحجة على صاحبه وإن لم يرسل الله رسلاً. وعلى هذا فكل من لم تبلغه رسالة الأنبياء ولم يؤمن فهو كافر مخلد في النار. وخالفهم الأشاعرة في ذلك مستدلين بقوله تعالى:  وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً  [الآية 15 من سورة الإسراء]» [إتحاف السادة المتقين 2/193 نظم الفرائد 35، الروضة البهية 34-37 إشارات المرام 93] وقالوا: « “إن إرادة الله في الشرع مطلقة لا يقيدها شيء، فهو خالق الأشياء وهو خالق القبيح والحسن… ولا عبرة بأوامر العقل، إنما العبرة بأوامر الشارع الحكيم » [أصول الفقه للشيخ محمد أبي زهرة 55 المسايرة 97 لابن الهمام شرح الفقه الأكبر 137 وتأويلات أهل السنة للماتريدي 1/444 وهذا يلزم منه أن الناس لا يعرفون قبيحًا قبل ورود الشرع، وهذا باطل فالبشرية تعارفت على أمور قبيحة وجاء الشرع بتأكيد قبحها وكذلك العكس وقد قال النبي  لحكيم بن حزام: « أسلمت على ما أسلفت من خير » متفق عليه]. وترتب على هذا خلاف آخر وهو:

[9] معرفة الله تعالى: هل هي بالعقل أم بالسمع؟ فعند الأشعري بالشرع، وأنه لا يجب إيمانٌ ولا يحرم قبل ورود الشرع. وعند الماتريدي: بالعقل. قال صاحب النونية:

أما الماتريدية فكانوا في مخالفة الأشاعرة أقرب إلى قول المعتزلة بل قولهم وقول المعتزلة على السواء كما ذكر ابن عذبة، إلا أنهم يختلفون معهم في وجوب ذلك على الصبي العاقل غير البالغ: إذا مات بدون تصديق هل هو معذور أم لا؟ [الروضة البهية 34 – 37].

[10] الماتريدية يرون وجوب الإيمان بالعقل، ولا يرون زيادة الإيمان ونقصانه. ويحرمون الاستثناء فيه ومن قال آمنت بالله إن شاء الله فهو كافر لأنه شاك في إيمانه. والإسلام والإيمان واحد [وممن قاله أبو بكر محمد الفضلي الكماري البخاري]. بينهما يرى الأشاعرة وجوب الإيمان بالشرع. والإيمان يزيد وينقص ويجوز الاستثناء فيه. ولا يرونه والإسلام شيئًا واحدًا وإنما أحدهما مغاير [نظم الفرائد 39 و48 الروضة البهية 6].

ومن تناقضات الأشاعرة أنهم ينصرون مذهب السلف في الاستثناء مع مناصرتهم لمذهب الجهمية في الإيمان، حيث حدوه بالمعرفة أو التصديق ، ولكنهم يعلقون الإيمان على ما يختم للمرء من العمل ويسمونه بالموافاة أي أن الإيمان « المعتبر هو إيمان الموافاة الواصل إلى آخر الحياة » [الفقه الأكبر شرح القاري 118 مشكل الحديث لابن فورك 188]. وهذا تناقض.

وقد تقدم تبرم السبكي من تكفير جماعة من الحنفية (الماتريدية) للشافعية وفتواهم بعدم جواز الصلاة خلفهم لأنهم أقروا قول القائل (أنا مؤمن إن شاء الله) وأن الشافعية يكفرون بذلك [فتاوى السبكي 1/53]، وحكاه المرتضى في إتحاف السادة المتقين (2/278).

[11] ذهب الماتريدية إلى أن الإيمان غير مخلوق. وذهب الأشاعرة إلى أنه مخلوق. قال الكردري: « قال الإمام محمد بن الفضل: من قال الإيمان مخلوق لا تجوز الصلاة خلفه. واتفقوا على أنه كافر [نظم الفرائد 43 إتحاف السادة 2/283 الفقه الأكبر 120] وبناء على ما نقله الكردري يصير الأشاعرة في نظر الماتريدية غير مسلمين فضلاً عن أن يكونوا من الفرقة الناجية!.

وإننا لنعجب حين نجد ابن عذبة وهو يروي لنا أن أول من قال بخلق الإيمان أبو حنيفة نفسه، وأن الخلاف في هذه المسألة ناشئ بين أهل بخارى وسمرقند وكلاهما ماتريديون [الروضة البهية 71 – 75].

[12] اتفق الماتريدية والأشعرية على الكلام النفسي ثم ما لبثوا أن اختلفوا في سماع موسى كلام الله: هل سمع كلامه القديم أم أنه سمع ما يدل على سماعه؟ فاختار الماتريدي أنه لم يسمع وحملوا نصوص السماع على أن الله خلق صوتًا في الشجرة [إتحاف السادة 2/147 نظم الفرائد 15 الروضة البهية 50 – 53] وأجاز الأشعري سماع الكلام النفسي القديم، وذكر ابن عذبة أن أبا الحسن ذكر في كتابه « الإبانة » مقالة أهل السنة والحديث في مسألة الكلام. وهذا إثبات بأن الكتاب معتمد عند القوم، وتجاهل المتأخرين له مكابرة.


[12] ثم اختلفوا – ولا يزالون مختلفين – هل إذا كان الله متكلمًا أزلاً بمعنى أنه لم يزل آمرًا ناهيًا وهذا الأمر والنهي متعلق بمكلف معدوم سيوجَد ولم يُخلَق بعد؟ ذهب الأشعري إلى ذلك بينما خالفهم الماتريدية، ومخالفتهم للأشعري تبطل نفيهم لصفات الأفعال الإلهية [إتحاف السادة المتقين 2/149].

[13] اتفقت الماتريدية على خلق الله لأفعال العباد ثم اختلفوا: هل لقدرة العبد تأثير؟ فإلى الأول ذهب الماتريدية وإلى الثاني جنحت الأشاعرة. ورأى الماتريدي وجود أثر القدرة للعبد في وصف الفعل، ورأى الأشعري أن كل شيء خاضع قسرًا للقدرة الإلهية المطلقة.

واعتبر البزدوي بأن مسألة الأفعال هي من شر المسائل التي خالف بها الأشعري أهل السنة (يريد الماتريدية). وذكر ابن عذبة أن الجويني غلا في إثبات الأثر لقدرة العبد. قال: « وهذا مذهب المعتزلة » [التوحيد 243 العلم الشامخ 226 الروضة البهية 29 – 30].

[14] واختلفوا في مسألة التكوين والمكون، فرأى الماتريدية أن التكوين صفة أزلية والمكون حادث، وهي تغاير بذلك القدرة لتساوي القدرة في جميع المخلوقات [البزدوي 69 البداية للصابوني 67 الروضة البهية 39].

وترتب عليه اختلافهم في أسماء الله الحسنى، فقال صاحب فيض الباري: « والأسماء الحسنى عند الأشاعرة عبارة عن الإضافات، وأما عند الماتريدية فكلها مندرجة في صفة التكوين » [فيض الباري 4/517 للشيخ أنور شاه الكشميري].

فهي عند الأشاعرة سبع وعند الماتريدية ثمانية. قال القاري: « فالصفات الأزلية عندنا ثمانية لا كما زعم الأشعري من أن الصفات الفعلية إضافات، ولا كما تفرد به بعض علماء ما وراء النهر بكون كل من الصفات الفعلية صفات حقيقية أزلية: فإنه تكثير للقدماء » [الفقه الأكبر شرح القاري 20]. أي اعتقاد بتعدد الآلهة.

غير أن ابن الهمام قد اعترف بأن ما يدعيه الأحناف المتأخرون من أن الصفات الفعلية راجعة إلى التكوين وأنها زائدة على السبع ليس في كلام أبي حنيفة ولا متقدمي أصحابه وإنما حدث هذا القول في زمن الماتريدي [المسايرة 90]. وهذا اعتراف منه بمخالفة الماتريدية الأحناف لأبي حنيفة في العقيدة.

أما الأشاعرة فيرون أن التكوين هو عين المكون وهو حادث. قال أبو المعين النفسي: « وقول أكثر المعتزلة وجميع النجارية والأشعرية: أن التكوين والمكون واحد قولٌ محال » [التمهيد 29 وتبصرة الأدلة 193].


وقد انتقد السرهندي عقيدة الأشعري لذلك فقال: « ولما لم يطلع الأشعري على حقيقة فعل الحق جل سلطانه قال بحدوث التكوين وحدوث أفعاله تعالى ولم يدر أن هذه الحادثات آثار فعله تعالى الأزلي لا نفس أفعاله » [مكتوبات الإمام الرباني 262]. وهذا اعتراف من الزبيدي بمخالفات الأشعري في العقيدة.

[15] واختلفوا في صفة (كن) التي يخلق الله بها الأشياء، فذهب الماتريدية إلى أنها كناية عن سرعة الإيجاد فهي ليست كلمة على الحقيقة وإنما هي كلمة مجازًا. وذهب الأشعري إلى أن وجود الأشياء متعلق بكلامه الأزلي، وأن هذه الكلمة دالة عليه [التوحيد للماتريدي 49 تأويلات أهل السنة 1/218 الإبانة 25 اللمع 123 نظم الفرائد 19].

[16] ذهب الماتريدية إلى أن التوفيق: هو التيسير والنصرة، وذهب الأشعري إلى أن التوفيق هو خلق القدرة على الطاعة [نظم الفرائد 24 – 25].

[17] واختلفوا في السعادة والشقاوة هل تتبدلان أم لا ؟ فقال الماتريدية: إن السعيد قد يشقى والشقي قد يسعد. وسبب إجازة الماتريدي تبدل السعادة والشقاوة: لأنهما من أفعال العباد وليس في تغيرهما تغير لما كان مكتوبًا في اللوح المحفوظ. واستنكر مشايخ الحنفية مقولة من يمنعون تبدل الشقاوة والسعادة (يريدون الأشعري ومن وافقه) وذكروا أن ذلك يؤدي إلى إبطال الكتب وإرسال الرسل [نظم الفرائد 46 الإبانة 65 الروضة البهية 8 – 11] وخالفهم الأشعري فقال: إن السعيد من سعد في بطن أمه، والشقي من شقي في بطن أمه. قال الخاطري: إن الأشاعرة قالوا إن أبا بكر وعمر كانا مؤمنين في حال سجودها للصنم. وأن سحرة فرعون كانوا مؤمنين في حال حلفهم بعزته [نظم الفرائد 47]. وهذه شهادة ماتريدية على مخالفة الأشعري لكتب الله ورسله.

[18] اتفقوا على جواز رؤية الله في الآخرة، واختلفوا في الدليل عليه فذهب الماتريدية إلى أن الدليل على ذلك سمعي مستدلاً عليه بالكتاب والسنة. أما الأشعري فيرى أن الدليل عقلي ولم يرتض بعض الأشاعرة رأي إمامهم كالرازي فانحازوا إلى رأي الماتريدية [اللمع 61 المحصل للرازي 178].

[19] واختلفوا في صفة البقاء لله: هل هو باق ببقاء زائد على الذات أم أنه باق بذاته لا ببقاء؟ فذهب الأشعري وأكثر أصحابه إلى أن البقاء صفة زائدة على الذات. وأيده بعض الماتريدية في حين ذكر ابن عذبة مخالفة إمام الحرمين والقاضي أبي بكر لرأي الأشعري. وأرجح الآمدي في أبكار الأفكار اصل قولهما إلى المعتزلة [مقدمة د. خليف على كتاب التوحيد للماتريدي 19 الروضة البهية 66 أبكار الأفكار 1/229].


[20] وذهب الماتريدية إلى أن صفة السمع والبصر تتعلق بما يصح أن يكون مسموعًا ومبصرًا، وذهب الأشعري إلى أنهما يتعلقان بكل موجود، يسمع ويرى في الأزل ذاته العلية ويسمع فيما لا يزال ذوات الكائنات كلها وجميع صفاتها الوجودية. ورد الشيخ علي القاري ذلك بأنه قول مجرد عن الأدلة وهو بدعة في الشريعة [نظم الفرائد 10 – 11].

[21] واختلفوا في إيمان المقلد فاشترط الأشعري والباقلاني والإسفراييني وإمام الحرمين على المسلم أن يعرف كل مسألة بأدلتها كشرط لصحة إيمانه وإلا كان كما يصفه القشيري: « ساقطًا عن سنن النجاة، واقعًا في أسر الهلاك » [نظم الفرائد 40 – 41 . الروضة البهية 21 – 23] بينما ينكر القشيري نفسه نسبة هذا القول للأشعري مؤكدًا أن ذلك من مفتريات الكرامية على الإمام ويلاحظ كما في الروضة البهية إنكار القشيري نسبة المسائل التي لا تتناسب ومذهب والأشاعرة إلى الأشعري. ويعزو هذه النسبة إلى مفتريات الكرامية. ولكن صرح البغدادي بأن الأشعري قال عن المقلد: « خرج من الكفر لكنه لم يستحق اسم المؤمن » [أصول الدين 255 منشورات دار الآفاق – لبنان]. وهذا شبيه بالمنزلة بين المنزلتين التي قررها المعتزلة.

وأفرط بعض الأشعرية كالقاضي ابن العربي والجويني فقالا: « يلزم المصلي عند الإحرام أن يذكر حدوث العالم وأدلته، وإثبات الأعراض، واستحالة قدم الجواهر وأدلة العلم بالصانع، وما يجب لله وما يستحيل » [الذخيرة للقرافي 2/136 ط: دار الغرب].

[22] وأنكر الماتريدية أن يكون الله أرسل رسلاً نساء واشترطوا ذكورة النبي أما الأشاعرة فلم يروا ذكورة النبي شرطًا، بل صحت نبوة النساء عندهم بدليل قوله تعالى:  وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى  [الآية 7 من سورة القصص] [نظم الفرائد 49 – 50]. وليت شعري لِمَ لا تصح عندهم نبوة النحل وقد قال تعالى:  وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْل  [الآية 68 من سورة النّحل].

[23] واختلفوا في القدرة: هل تصلح للضدين؟ فذهب الماتريدية إلى أنها تصلح للضدين، وذهب الأشاعرة إلى أنها لا تصلح للضدين، بل لكل منهما قدرة على حدة [نظم الفرائد 52].

[24] واختلفوا في القضاء والقدر: فالقضاء عند الأشاعرة يرجع إلى الإرادة والقدر إلى الخلق، وعند الماتريدية هما غير الإرادة فالقضاء بمعنى الخلق والقدر بمعنى التقدير خلافًا للأشاعرة [إتحاف السادة المتقين 2/172].

[25] واختلفوا في الأعمال التي حبطت بالردة: هل تعود بعد التوبة منها أم لا؟ فقال الماتريدية لا تعود، وخالفهم الأشاعرة فقالوا تعود [نظم الفرائد 56 – 57].

[26] واختلفوا في الكفار: هل يعاقبون على ترك الفروض والواجبات بجانب الكفر؟ فقال الماتريدية: يعاقبون على ترك الاعتقاد دون الفروض وقال الأشاعرة يعاقبون على ترك العبادات زيادة على عقوبة الكفر [نظم الفرائد 58].

[27] واختلفوا في توبة اليأس : هل هي مقبولة أم لا ؟ فذهب الماتريدية إلى أنها مقبولة وأن إيمان اليأس غير مقبول. وذهب الأشاعرة إلى أن توبة اليأس لا تقبل كإيمان اليأس [نظم الفرائد 59].

[28] وذهب الماتريدية إلى أن الشم والذوق واللمس ليسوا صفة زائدة لله بل هو نوع من العلم في حقه، بدليل أن ذلك الإدراك يهم العروض بأمور حادثة ينزه الله عنها. وذهب الأشاعرة إلى أن المماثلة تثبت بالاشتراك حتى لو اختلفا في وصف لا تثبت المماثلة. فاستنكر النسفي ذلك وقال: « لا نقول ما يقول الأشاعرة من أنه لا مماثلة إلا بالمساواة في جميع الأوصاف » [نظم الفرائد 59]. ويا ليتهم طردوا ذلك في غيره من الصفات إذن لبرءوا من مرض التعطيل.

[29] واختلفوا في عصمة الأنبياء: فمنع الأشاعرة وقوع الكبائر من الأنبياء مطلقًا، وجوزوا عليهم الصغائر سهوًا، ومنهم من منع وقوع شيء من ذلك مطلقًا كالاسفراييني والقاضي عياض المكي [الروضة البهية 57 و62] وهم بذلك موافقون للماتريدية.

فهذه بعض ما عند الماتريدية والأشاعرة من الخلاف عدها عبد الرحيم شيخ زادة إلى خمسين مسألة في كتابه نظم الفرائد وقد أثنى المرتضى الزبيدي على صاحب الكتاب واعتمد كتابه [إتحاف السادة المتقين 2/12].




الشيخ عبدالرحمن الدمشقية

من مقالات الشيخ في منتدى الدفاع عن السنة









About asha3ira2

بسم الله
This entry was posted in Uncategorized. Bookmark the permalink.

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s